مكتبة الظلال المنسية حينما يتحول الحبر إلى واقع مرعب وخارج عن السيطرة

مكتبة الظلال المنسية حينما يتحول الحبر إلى واقع مرعب وخارج عن السيطرة


بص يا سيدي، إحنا بنسمع حكايات كتير، وبنقعد نقرأ في قصص قبل النوم عشان نهرب من واقعنا، بس عمرك فكرت إيه اللي يحصل لو "القصة" هي اللي قررت تهرب من الورق وتعيش معاك؟ أنا اسمي "ياسين"، ومن سنة بالظبط حياتي اتقلبت 180 درجة بسبب كتاب.. كتاب واحد كان المفروض إنه مجرد تسلية في ليلة مملة، بس اللي حصل جوه صفحاته كان أبعد بكتير من أي خيال ممكن تتخيله.

القصة بدأت في منطقة "الدرب الأحمر"، وسط البيوت القديمة اللي ريحتها كلها تاريخ وهيبة. أنا غاوي جمع الكتب القديمة، وبحب أدور وسط الكراكيب عن أي حاجة نادرة. في يوم، لقيت محل صغير جداً، ملوش يافطة، ومستخبي وراء شجرة جميز ضخمة. دخلت المحل ولقيت راجل عجوز، جلده زي الورق القديم، وعينه فيها لمعة غريبة. قالي بصوت يشبه حفيف الشجر: "مش إنت اللي بتختار الكتاب يا ابني، الكتاب هو اللي بيختار صاحبه". ضحكت وقتها وافتكرت إنه بيبيع لي بضاعة بكلام من بتاع حكايات غريبة، بس يا ريتني كنت سمعت كلامه ومشيت.

اشتريت كتاب ملوش عنوان، غلافه من جلد أسود غريب الملمس، ملمسه بارد جداً كأنه كان في تلاجة. روحت البيت، قفلت أوضتي، وبدأت أقرأ. ومن هنا، بدأت الرحلة اللي خلتني أشوف الموت بعيني، رحلة مكنتش في أي قصص قصيرة قرأتها قبل كدة، دي كانت تجربة حية، مرعبة، ومبهرة في نفس الوقت.

حينما يتكلم الحبر المنسي

أول ما فتحت الكتاب، لقيت الصفحات بيضاء تماماً! استغربت جداً وقلت في بالي إن الراجل العجوز ده ضحك عليا. بس فجأة، بدأت نقط سوداء تظهر على الورق وتتحرك زي النمل. النقط بدأت تشكل حروف، والحروف بدأت ترسم كلمات، والكلمات بقت جمل بتحكي عني أنا! "ياسين يجلس الآن في غرفته، الضوء خافت، وهو لا يعلم أن الباب الذي فتحه لن يغلق أبداً".

قلبي بدأ يدق بسرعة، رميت الكتاب على السرير، بس الكتاب مفضلش مكانه. بدأ يطلع منه دخان أسود بريحة "العتة" والورق المحروق. الدخان بدأ يكبر ويملا الأوضة، وفجأة، الحيطان بدأت تتلاشى! الأوضة مبقتش أوضتي، والسرير مابقاش موجود. لقيت نفسي واقف وسط غابة، بس مش غابة شجر، دي غابة من "الأقلام الضخمة" اللي بتنزف حبر أسود بيجري في الأرض زي الأنهار. كانت صورة من قصص مشوقة بس قلبت بكابوس حقيقي.

السما فوقي كانت عبارة عن صفحات ورق كبيرة بتطير، وكل صفحة مكتوب عليها أحداث من حياة ناس ماتوا من زمان. كنت حاسس بالبرد، برد مش طبيعي بينخر في العضم. سمعت صوت جاي من بعيد، صوت همس بأسماء ناس مكنتش أعرفهم، كأن الغابة دي هي "مقبرة الحكايات". عرفت وقتها إني مش مجرد قارئ، أنا بقيت "شخصية" جوه الكتاب اللي اشتريته.

 التيه في مدينة "مداد" الملعونة

مشيت وسط الغابة وأنا بحاول ألاقي طريق للرجوع، لحد ما وصلت لمدينة غريبة جداً، مبانيها كلها معمولة من كتب مرصوصة فوق بعضها. الناس اللي هناك شكلهم شاحب جداً، كأنهم مرسومين برصاص خفيف. سألت واحد منهم: "أنا فين؟ وإزاي أخرج من هنا؟". بص لي بحزن وقالي: "إنت في 'مداد'، مدينة الحكايات اللي مكملتش. كلنا هنا أبطال لقصص أصحابها نسيوها أو ماتوا قبل ما يكتبوا كلمة 'النهاية'. وعشان تخرج، لازم تخلص قصتك بنفسك، بس خلي بالك.. الحبر بيخلص!".

بدأت أفهم اللعبة. كل خطوة بمشيها بتهلك من طاقتي، كأني "قلم" بيفضي حبره. المدينة كانت مليانة تفاصيل خيالية؛ العصافير كانت بتغني قصائد، والمطر كان بينزل على شكل نقط حبر بتصبغ كل حاجة باللون الأسود. قعدت أيام - أو يمكن كانت سنين، الزمان هناك ملوش معنى - بدور على "فصل النهاية" في القصة بتاعتي. قابلت شخصيات من قصص واقعية اتحولت لأساطير، ملك ضيع مملكته بسبب كلمة، وعاشق فضل مستني حبيبته ألف سنة لحد ما بقى عبارة عن سطر مكتوب على حيطة.

في طريقي، وصلت لـ "قصر المخطوطات العظيم". القصر ده هو المكان اللي بيتحكم في كل شبر في العالم ده. كان لازم أدخل وأواجه "المؤلف العظيم"، الكيان اللي بيقرر مين يعيش ومين يفضل مجرد خيال. وأنا داخل، كنت حاسس إن أطراف إيدي بدأت تختفي وتتحول لخطوط باهتة. الخوف كان بياكلني، بس الرغبة في الرجوع لبيتي ولحياتي كانت أقوى من أي خوف. مكنتش عايز أبقى مجرد سطر في حكايات غريبة تانية.

الذروة: مواجهة "المؤلف" وثمن الخروج

دخلت القاعة الكبيرة، ولقيت كرسي عالي جداً قاعد عليه كائن ملوش ملامح، بس إيده ماسكة ريشة عملاقة بتنقط نار مش حبر. "ياسين.. البطل الذي لم يكتمل"، الصوت كان جاي من كل حتة ومن مفيش. الكائن قالي إن قصتي كانت المفروض تنتهي بموتي في الغابة، وإني غيرت "القدر المكتوب" لما قررت أكمل مشي. قالي: "عشان ترجع لعالمك، لازم تسيب هنا أهم ذكرى عندك. الذكرى دي هي اللي هتبقى الحبر اللي يكتب كلمة 'النهاية' في كتابك هنا".

الذكرى دي كانت "صورة أمي"، أول حاجة كنت بفتكرها لما بحس بالخوف. كان اختيار صعب جداً، إنك تضحي بقطعة من روحك عشان تنقذ جسمك. بس افتكرت إن لو فضلت هنا، الذكرى كدة كدة هتتمسح مع الوقت وهبقى كلي عدم. وافقت بدموع في عيني. الكائن مد إيده، وخد "النور" اللي جوه قلبي، وحوله لنقطة حبر ذهبية كتب بيها كلمة واحدة في الهوا: "العودة".

في اللحظة دي، الأرض انشقت تحت مني، وبدأت أقع في فراغ ملوش آخر. كنت بسمع أصوات ضحك وبكاء، وشفت ملايين من قصص قصيرة بتطير قدامي كأنها عصافير مذبوحة. كنت حاسس إن جسمي بيتفتت ويعاد تشكيله تاني. الضلمة كانت تقيلة، والبرد كان بيموت، لحد ما شفت ضوء صغير جداً في آخر الفراغ.. ضوء يشبه اللمبة اللي في أوضتي.

النهاية | العودة إلى عالم الباهتين

فوقت وأنا مرمي على أرضية أوضتي، الشمس كانت طالعة والطيور بتزقزق عادي جداً كأن مفيش حاجة حصلت. بصيت على السرير، ملقتش الكتاب الأسود، لقيت مكانه شوية رماد وريحة حبر قديم. قمت بسرعة وبصيت في المراية، وشي كان زي ما هو، بس عيني كان فيها لمعة غريبة.. ولمست شعري لقيت خصلة منه بقت بيضاء تماماً كأنها ممسوحة بـ "كوريكتور".

نزلت بسرعة وروحت "الدرب الأحمر" عشان أدور على المحل والراجل العجوز. لفيت المنطقة سكة سكة، زنقة زنقة، سألت كل البياعين، كلهم بصوا لي باستغراب وقالوا لي: "يا ابني الشجرة دي موجودة، بس مفيش وراها محلات من ساعة حريقة سنة 92". عرفت وقتها إن المحل نفسه كان "فصل" في القصة، وانتهى بمجرد خروجي منه. مفيش حد صدقني، والكل قالي إن دي تهيؤات من كتر قراءة قصص مشوقة ورعب.

دلوقتي، أنا بقيت بخاف ألمس أي كتاب قديم، وبخاف أكتر من الورق الأبيض الفاضي، بحس إنه مستني يبلعني. بس الحاجة اللي بتوجعني بجد هي إني نسيت شكل أمي. فاكر إني كان عندي أم، وفاكر إني كنت بحبها، بس ملامحها ممسوحة من ذاكرتي تماماً، كأنها "جملة" اتمسحت من كتاب حياتي. دي كانت ضريبة الحرية، وضريبة الدخول لعالم "مداد".

نصيحتي ليكم يا جماعة، متمشوش وراء الفضول في الأماكن القديمة. مش كل الكتب بتتقرأ، فيه كتب هي اللي بتقرأنا. ولو في يوم لقيتوا كتاب غلافه أسود وملمسه بارد، احرقوه قبل ما يفتح لكم باب مش هتعرفوا تقفلوه. العالم بتاعنا ده مجرد "قشرة" رقيقة جداً، وتحتها فيه بلاوي متلتلة وملايين من حكايات غريبة مستنية بطل جديد يضحي بروحه عشان يكملها. تصبحوا على واقع أجمل من أي قصة.

تمت.

تعليقات